الشيخ محمد علي طه الدرة

20

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

ربّي كريم ، لا يكدّر نعمة * وإذا تنوشد في المهارق أنشدا كما يقال : ربّ الدار ، وربّ الأسرة ، أي : مالكها ، ومتولي شؤونها ، كما يراد به المربّي ، والمصلح ، يقال : ربّ فلان الضيعة ، يربّها : إذا أصلحها ، واللّه ربّ العالمين : مالكهم ، ومربّيهم ، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا ، بجعل النطفة علقة ، ثم بجعل العلقة مضغة ، ثم بجعل المضغة عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم يصوره ، ويجعل فيه الروح ، ثم يخرجه خلقا ، وهو صغير ضعيف ، فلا يزال ينميه ، وينشيه حتى يجعله رجلا أو امرأة كاملين . هذا ولا يطلق لفظ الرّبّ على غير اللّه تعالى إلا مقيدا بالإضافة ، مثل قولك : رب الدار ، ورب الناقة ، ونحو ذلك ، وقد قالوه في الجاهلية للملك ، قال الحارث بن حلّزة في معلّقته رقم [ 39 ] : [ الخفيف ] وهو الربّ والشّهيد على يو * م الحيارين والبلاء بلاء والربّ : المعبود بحق ، وهو المراد منه عند الإطلاق ، ومنه قول راشد بن عبد ربه السّلمي الصّحابي - رضي اللّه عنه - وهو الشاهد رقم [ 157 ] من كتابنا فتح القريب : [ الطويل ] أربّ يبول الثّعلبان برأسه ؟ ! * لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى ، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل ، قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السّلام لصاحبي السّجن : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السّابقة قال الشاعر : [ الطويل ] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم * وللآكلين التّمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه السّابقة ، أصله : رابب ، ثم خفف بحذف الألف ، وإدخال أحد المثلين في الآخر . الْعالَمِينَ : جمع عالم بفتح اللام ، وجمع لاختلاف أنواعه ، وهو جواب عمّا يقال : إنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى اللّه ، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة ، فأكثر ، وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم ، وهو يقال لكل ما سوى اللّه ، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى - على نبينا وعليه أفضل الصّلاة ، وأتم التسليم - لمّا قال له فرعون : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، هذا والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام ، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ ، والبحر ؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له : عالم ، ولا واحد له من لفظه ، مثل : رهط ، وقوم . وقال مقاتل : العالمون ثمانون ألف عالم ، أربعون ألف عالم في البر ، وأربعون ألف عالم في البحر ، انتهى . وجمع جمع المذكر السالم ، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل ، والعالم مشتق من العلامة ؛ لأنه دالّ على وجود خالقه ، وصانعه ، وعلى وحدانيته جلّ ، وعلا ، كما قال ابن المعتز : [ المتقارب ]